عالم مضطرب

0
499

التحولات في موازين القوى العالمية، اقتراب الصراع الأميركي الروسي من حافة المخاطر الكبرى، الصعود الصيني مقابل الشرخ الداخلي الأميركي، قلق أوروبا حول مصيرها وعلاقتها برئيس أميركي يشهر للمرة الأولى مواقف عدائية تجاهها منذ سبعين عاماً، ارتدادات هزيمة المحور الأميركي على أبواب دمشق، التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، دور إيران الجيواستراتيجي الجديد في مشاريع المنطقة، الخيارات التركية في ظل علاقة متوترة مع واشنطن.. هذه العناوين وغيرها هي جزء من ملف “عالم مضطرب” الذي نبدأ بنشر مواده بدءاً من الثلاثاء 5 شباط / فبراير. .

العالم يتغيّر. التحوّلات التي تُصيب النظام العالمي لا تستثني منطقتنا. الشرق الأوسط يُبدّل فصوله والشتاء الطويل الذي حلّ في سوريا يكاد ينقضي. ارتدادات الأزمة السورية ستقلب المعادلات وقريباً سيُترجَم ذلك. أميركا التي تنكفئ في مسارٍ يشهد تسارُعاً في الآونة الأخيرة سوف تنسحب من المنطقة العربية وتورِث تركتها إلى بريطانيا. أمن إسرائيل بات عبئاً عليها. الصين باتت تستثمر في ميناء حيفا وروسيا انخرطت أكثر من السابق في الملف الفلسطيني وفي ملف الصراع مع إسرائيل. هذا ليس تفصيلاً بقدر ما هو تعبير عن تبدّلات جذرية.

ما سلف هو تعبير عن آراء بعض الباحثين في إطار ملف “عالم مُضطرب”. ملف نفتحه بدءاً من يوم غد الثلاثاء في محاولة للإجابة على الأسئلة القلقِة التي تجوب العالم. أبرز مظاهر القلق وجود دونالد ترامب اليوم على رأس السلطة في الولايات المتحدة الأميركية. قلق في الداخل الأميركي وفي أوروبا. ينسحب هذا الأمر على سائر حلفاء امبراطورية العصر الحديث التي تنزف من دون أن تفقد قوّتها ولا تصدِّرها للزعامة العالمية.

إيران خرجت من الحرب السورية رابِحاً قوياً وأساسياً. سيكون لهذا الأمر تبعاته على موازين القوى في المنطقة. تُقاتل طهران اليوم إسرائيل من الجولان وتستند إلى عُمقٍ يمتد حتى 2000 كلم، فيما عُمق إسرائيل يكاد ينحصر بنحو 12 كلم فقط. يكتسب هذا التحوّل أهميته من كون إيران جزءاً من الحرب ضد الولايات المتحدة في البحار الأساسية في المنطقة. هذا يجعلها جزءاً من إعادة صوغ العالم انطلاقاً من الجغرافيا الجديدة والتاريخ الجديد الذي سيُكتَب عندما تنتهي الحرب على سوريا. تشهد طهران اليوم وضعاً يحدث للمرة الأولى منذ داريوس الثالث خلال حقبة الصراع بين مملكة الفرس آنذاك والإسكندر المقدوني. حول هذا التحوّل الجيواستراتيجي والتاريخي يفصّل ويشرح الدكتور محمّد صادق الحسيني الباحِث في الشؤون الإقليمية والدولية.

الجمهورية الإسلامية أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع واشنطن. العقوبات ستكون صعبة عليها لكنها لن تكون أمراً غير مسبوق. جاريت بلانك المُتخصّص في الجيواقتصاد وعضو فريق المفاوضات الأميركي مع إيران بشأن الملف النووي هو مَن يرى ذلك. يشرح أكثر عن سبب قلقه الكبير أنه في نقطة معيّنة ستكون هناك أزمة دولية لم يخلقها ترامب. ربما ستظهر في أوكرانيا أو في لبنان أو بطريقةٍ ما تشمل إيران. يدقّ ناقوس الخطر في حال لم تقم إدارة ترامب بتحسين قدرتها على صنع السياسة والاستجابة لهذا النوع من الأزمات.

لكي نفهم ما يحدث في العالم علينا ربما أن نفهم أولاً ما يحدث في أميركا. هناك، حيث توجد اليوم رؤيتان للكون مُتباينتان أشدّ التبايُن. الباحِث في الشؤون الدولية الدكتور كمال خلف الطويل يُضيء على التحوّلات داخل أميركا بما فيها أزمة الرأسمالية، كذلك على ظاهرة الترامبية وانعكساتها على العلاقات الدولية.

أوروبا القلقة قد تعاني أكثر من الشرق الأوسط. يؤكّد ذلك توماس فالاساك الذي تُركِّز أبحاثه على الأمن والدفاع والعلاقات عبر الأطلسي وأوروبا الشرقية. في القارة العجوز يسود قلق من أفكار ترامب. إذا وجدت تلك الأفكار صدى ولاقت انتشاراً سيكون لهذا الأمر تأثير على استقرارها. واقع أن ترامب يقدّم نموذجاً بديلاً مع وجود متابعين له استوحوا من أمثلته يخلق تأثيراً مُضاعفاً في الفضاء الأوروبي.

بدوره يتحدّث مارك بيرييني عن المخاوف الأوروبية والأوضاع المُعقّدة في عددٍ من الملفات منها الحال المُستجدّة مع واشنطن بوجود رئيس يحمل للمرة الأولى منذ سبعين عاماً مواقف عدائية تجاه أوروبا. من منظورٍ أوروبي يُجيب بيريني على الأسئلة المُتعلّقة بسوريا والشرق الأوسط والعلاقات مع روسيا في ظلّ التحوّلات. تركّز أبحاثه على التطوّرات في الشرق الأوسط وتركيا من منظور أوروبي.

حول تحديات الصين والخطر الذي تمثّله على صَدارة أميركا في العالم نتحدّث إلى بول هاينلي الخبير في الشؤون الصينية. هاينلي شغل سابقاً منصب المساعد التنفيذي لمستشار الأمن القومي الأميركي ومدير موظّفي مجلس الأمن القومي لشؤون الصين وتايوان ومونغوليا، كما اضطلع بدور رئيس كممثّل للبيت الأبيض في الفريق الأميركي المفاوِض المُشارِك في المُحادثات السُداسية النووية. كيف قفزت الصين من المرتبة السابعة إلى المرتبة الثانية عالمياً في غضون 17 عاماً وكيف سمحت أميركا بذلك؟ يُجيب عن ذلك وعن سبب اعتباره وجود ترامب في البيت الأبيض أكبر هدية للصين بخلاف آراء كثيرة رائجة.

في عالمٍ مُتغيّر، روسيا ترى نفسها القوّة العُظمى الوحيدة القائمة بذاتها شمال كتلة أوراسية ضخمة. حيث تجلس في مكانها تنظر إلى الشرق الأوسط كجزءٍ من جوارها الواسع. في سياق مواجهتها مع أميركا ربما يحدث انفجار مُفاجئ. هناك خطر من سباق التسلّح الناتج من تعليق أميركا التزامها بمعاهدة الصواريخ النووية متوسّطة المدى. في حال عادت الصواريخ إلى أوروبا، ستقترب موسكو وواشنطن بشكل كبير من حافّة صراع قوي. حول ذلك إضافة إلى الحرب الهجينة القائمة اليوم بين البلدين وإمكانية التقارُب بين موسكو وبرلين نتحدّث إلى ديمتري ترينين مُعرّجين على تقييم موسكو لهذه المرحلة من انخراطها العسكري والدبلوماسي في سوريا وعن أهدافها في الشرق الأوسط. ترينين يشغل حالياً إدارة مركز كارنيغي في موسكو. عمل في السابق ضابط ارتباط في العلاقات الخارجية للقوات السوفياتية، وعمل عضواً في وفد المباحثات النووية بين الولايات المتحدة والسوفيات حول الأسلحة النووية في جنيف بين 1985 و1991.

تبقى تركيا الدولة الوازِنة والمركزية وبيضة القبّان بين الشرق والغرب بحسب تعبير أحد ضيوف الملف. سينان أولغن الذي تُركِّز أبحاثه على السياسة الخارجية التركية يتوقّع أن تميل العلاقة الأميركية التركية لتكون مُضطربة هذا العام. هل يقود ذلك أنقرة باتجاه التقارُب مع المحور الشرقي المُتمثّل بمجموعة شنغهاي وعلى رأسها الصين وروسيا؟ عن ذلك يُجيب إضافة إلى البُعد الجديد في العلاقة التركية السعودية التي كرّسها مقتل جمال خاشقجي. حدَّدت تركيا نظرتها إلى هذه الأزمة على ضوء هدفين: الأول، التقليل من تأثير المملكة وتأثير محمّد بن سلمان. أما الهدف الثاني، فهو الحصول على مكاسب سياسية من واشنطن.

هذه الأسئلة والمحاور نفتحها على صفحات “الميادين نت” بدءاً من 5 شباط / فبراير في محاولة لقراءة الحاضر واستشراف المرحلة المقبلة في ظلّ “عالم مُضطرب” يمر بمخاض غير معزول عن منطقتنا من حيث تأثيرها به وانعكاساته عليها.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here