قريباً.. تداعيات الهزيمة على أبواب دمشق

0
537

وجه الشرق الأوسط يتغيّر. أمن إسرائيل سيصبح عبءاً على واشنطن. الأميركي ينكفئ عالمياً وسوف ينسحب من منطقتنا. عمّا قريب ستتجلى صورة سوريا المنتصرة بقوة حلفائها الإقليميين والدوليين وستتحوّل الموازين العالمية بناء على الانتصار الاستراتيجي الكبير، تماماً كما حصل في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما هُزمت النازية والفاشية. كيف ذلك؟ وكيف تتجلى ارتدادات الهزيمة داخل المحور المناوئ لسوريا وحلفائها؟ هنا رؤية تعتمد على قراءة الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية الدكتور محمد صادق الحسيني ضمن ملف “عالم مضطرب”. المقابلة التي جرت معه قبل قرار ترامب سحب قواته من سوريا نهاية العام الماضي تقدّم بانوراما استشرافية تصلح لنهاية العام وربما لسنوات مقبلة، نعرض جزءها الأول اليوم وغداً الجزء الثاني.

مركز ثقل العالم ينقلب الآن من الغرب إلى الشرق. التحوّلات الكبرى ستطال حلفاء واشنطن. بعض هؤلاء بات صدرهم يضيق بالتبعية لها. دونالد ترامب أهان الأوروبيين كما أهان السعوديين عندما طالبهم بالأموال مقابل الحراسة التي يوفرها لهم. سوف تنكشف الولايات المتحدة الأميركية مالياً أمام العالم عندما تصبح على درجة كبيرة جداً من الضعف. حالياً هي مديونة بـ22 ترليون دولار ولا تستطيع أن تحمي شركاتها. تركتها الأخيرة وهاجرت إلى الصين التي ستصبح أغنى دولة في العالم. هذا في عصر ترامب الذي يطالب بعودة الجنود والرساميل الأميركية من الخارج إلى بلاده، لكنه يجد نفسه مقيّداً نسبياً بالتبعية للاقتصاد الصيني.

“بويينغ” للطيران مؤشر إلى ذلك. اضطرت تلك الشركة العملاقة بدافع المصلحة والاستمرارية أن تلجأ إلى الصين، وتقيم هناك مصنعاً لمدة عشر سنوات، وتتقاسم معها أرباحاً يُتوقع أن تبلغ نحو ترليون و200 مليار دولار.


الانكفاء عن شرق آسيا

سياسياً، معادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية تتراجع. تلك المعادلة التي أفرزت هيئات واقعة تحت النفوذ الأميركي مثل هيئة الأمم ومجلس الأمن والبنك الدولي وصندوق النقد، أثبتت فشلها في حل كل أزمات العالم.

عسكرياً، الوجود الأميركي في بحر الصين بات مطوقاً بجزر صينية. الدفاعات الجوية والصاروخية هناك تجعل من أي مناورة عسكرية أميركية بالقرب منها عملية شبه مستحيلة. أميركا مشلولة تقريباً في تلك البقعة.

بلد مكبل بترليونات الدولارات من الديون كيف يستطيع أن يخوض حروباً ويتقدم؟ بدلاً من ذلك يسعى اليوم إلى سحب جنوده ويلغي مناورات عسكرية مع كوريا الجنوبية ويحاول التوصل إلى اتفاق مع كوريا الشمالية.

هو عملياً سلم المنطقة للمبادرة الاستراتيجية الصينية وبات شبه منسحب منها. وجوده العسكري هناك لم يعد فاعلاً بسبب دفاعات الصين وجزرها المستحكمة عسكرياً. القوي ليس من يمتلك أسلحة متفوقة فقط، بل من يستطيع أن يفعّل استخدامها.

باتت الصين تزاحم أميركا في مناطق أخرى خارج آسيا وتشارك قوى صاعدة في إخراجها من كونها لاعباً وحيداً في العالم.

انطلاقاً من قاعدتها العسكرية في جيبوتي يحرس نحو 10 آلاف من جنودها استثمارات في أفريقيا بقيمة تصل إلى نحو 300 مليار دولار.

من الآن وصاعداً، أمن إسرائيل سيصبح عبءاً على الولايات المتحدة الأميركية. عندما تسلم تل أبيب إدارة ميناء حيفا للصينيين بدءاً من العام 2022 ولفترة 10 سنوات فهذا يعبّر عن تراجع القوة الأميركية.

ثلثا القوة الجوية والبحرية الأميركية في حالة شلل اليوم. نحو 733 مليار دولار من ميزانية أميركا مخصصة للبنتاغون، والأخير يعتبر أنها لا تكفيه في أي ظرف استثنائي.

استراتيجية الصين مختلفة عن تلك الأميركية. هي تسعى للوصول إلى كل نقاط العالم والسيطرة عليها بالاقتصاد.

الأميركي ينكفئ عالمياً وسوف ينسحب من منطقتنا يوماً ما. لن يحصل ذلك بين ليلة وضحاها. لكن أفول النجم الأميركي يتسارع في مسار هادئ. أحد أهم المؤشرات إلى ذلك هو انبعاث ترامب من باطن الدولة مع شعار “أميركا أولاً” والمطالبة بعودة الرساميل الأميركية من الخارج كما الجنود المنتشرين في نحو ألف قاعدة عسكرية حول العالم.

لنسجّل نقطة هامة هنا قبل الاستفاضة. أميركا باعتبارها قوة استعمارية امبراطورية لم تخرج نهائياً من الملعب. هي أصيبت في الصميم بجرح عميق وتنزف وتقاتل قتالاً تراجعياً.

في منطقتنا خسارتها أساسية. هي على وشك الخروج من سوريا والعراق وأفغانستان. بريطانيا سترث الوجود الأميركي في الخليج . إرهاصات ذلك بدأت تظهر في قطر والكويت وعمان من خلال قواعد عسكرية وعلاقات اقتصادية متقدمة.

الصراع القائم داخل السعودية لإزالة محمد بن سلمان وإحلال أحمد بن عبدالعزيز بدلاً منه له بعدٌ خلافي بريطاني أميركي. الحكومة البريطانية نظمت مؤتمراً للمعارضة السعودية في لندن بحمايتها. هي من أعاد أحمد بن عبدالعزيز إلى السعودية بعدما كان ممنوعاً من دخول المملكة على خلفية تصريحه المعارض للحرب على اليمن. الآن كل “أمراء الريتز” يلتفون حوله رغم جبروت محمد بن سلمان.

لم تعد أميركا قادرة على فرض إرادتها أينما كان. هي تتراجع أمام الإرادة الإيرانية، في البحار، وأمام حركات المقاومة في البر. نذكر في العراق أنها حاولت أن تفرض حيدر العبادي رئيساً للوزراء ولم تستطع. الرجل أعلن بنفسه أن إيران حرمته من ولاية ثانية بخلاف رغبة السفارة الأميركية ومبعوث ترامب. لم تتمكن واشنطن من قطع طريق طهران بغداد دمشق بيروت والسيطرة عليه عسكرياً. جلّ ما تقدر عليه هو تحريك أدواتها الصغيرة في المنطقة لإيذاء محور المقاومة وهذا دليل ضعف.

في أفغانستان قوة الإيرانيين ونفوذههم السياسي والأمني والمعنوي أقوى بكثير من الوجود الأميركي المباشر.


سوريا.. فصل جديد

ستشهد سوريا هذا العام وضع اللمسات الأخيرة على فشل المشروع الأميركي الكبير بملحقاته الإقليمية. ستتجلى صورة سوريا المنتصرة بقوة حلفائها الإقليميين وفي مقدمتهم إيران وحزب الله، والدوليين وعلى رأسهم الاتحاد الروسي. ستتحوّل الموازين العالمية كلها بناء على هذا الانتصار الاستراتيجي الكبير، تماماً كما حصل في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما هُزمت النازية والفاشية. هذا الأمر يرتب على المحور المهزوم والقوى الملتحقة به أن تدفع الفواتير السياسية والاقتصادية للمنتصر.

أليس في الأمر مبالغة؟ لمن يسأل إذا كانت أميركا تقبل بالخروج مهزومة من سوريا رغم قوتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، الجواب هو نعم. تماماً كما حصل في العراق عندما انسحبت تحت ضربات المقاومة.

كما بات معلوماً فإن الدولة العميقة في أميركا ألحّت على ترامب بتمديد وجودها العسكري في سوريا، وذلك خوفاً من طغيان حلف المقاومة وصديقه الأساسي روسيا.

السؤال هو كيف سيخرجون ببعض ماء الوجه من خلال جوائز ترضية تعطى لبعض الشركات العالمية. هناك ثروة كامنة في البحر المتوسط ومصادر طاقة ستكون موضع نقاش واسع وصراع عميق بعد انتهاء الحرب.


ارتدادات الهزيمة

ارتدادات الهزيمة الاستراتيجية في سوريا انعكست على مناوئيها صراعات بينية. كل ذلك بموازة التحوّلات في النظام العالمي مع وجود لاعبين كبيرين كروسيا والصين.

هناك اتجاه في الولايات المتحدة لتفكيك الاتحاد الأوروبي. كبير مستشاري ترامب السابق ومدير حملته الانتخابية ستيف بانون يقيم حالياً في بروكسل. من مكتبه الجديد هناك يسعى إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، كما أشارت صحيفة بيلد الألمانية، ويحاول السيطرة على البرلمان الأوروبي. شجعت إدارة ترامب سابقاً خروج بريطانيا من الاتحاد وهي تنظر بعين الرضا إلى تولي الشعبويين السلطة في إيطاليا وربما لاحقاً في البرتغال وفنلندا.

لم تجاري أوروبا واشنطن في كل رغباتها. لم تفعل ذلك في نقض الاتفاق النووي مع إيران ولا في محاولة زرع شوكة في الخاصرة الروسية عبر أوكرانيا. لم يتمكن الأميركيون من توريط أوروبا في الحرب الدائرة هناك. لم ينالوا حتى الآن من ألمانيا كقوة اقتصادية وأمنية لديها إمكانية الحفاظ على نواة أوروبية مستقلة كما بدأ يحلم الأوروبيون.

رفضت ألمانيا توريطها في أوكرانيا وبقيت متمسكة بالتعاون مع روسيا. هناك اعتقاد في برلين بأن العلاقة المستقرة مع روسيا وكل دول أوراسيا هي لصالح مستقبل أوروبا.

هذه المواقف تساهم في تفكيك الاتحاد الأوروبي والناتو أيضاً بسبب الضغوط والتناقضات الناتجة عنها.

لكن مهلاً. الحديث عن محور روسي ألماني وعن مصلحة أوراسية يشترك فيها كلا البلدين، تناقضها المواقف التي صدرت سابقاً عن برلين وبروكسل. هذه المواقف ما زالت تعكس تبعية للولايات المتحدة. كيف نفسر ذلك؟

بقايا العصر القديم ما زال موجوداً. نحن نشهد اليوم بداية عصر جديد لن يعود الدولار فيه حاكماً على سبيل المثال في التعاملات بين روسيا والصين وتركيا وإيران والهند. ستتعامل هذه الدول بالعملات المحلية أو عبر تبادل البضائع الاستراتيجية. هذه الآلية سيبدأ تنفيذها هذا العام. الأوروبيون وضعوا من جهتهم نظاماً مصرفياً جديداً يشبه نظام “سويفت” خارج عملة الدولار.


تركيا على ضوء المتغيرات

خرجت تركيا مشتتة من نتائج الحرب العالمية على سوريا. إلا أنها بعكس دول خاسرة في المنطقة مثل إسرائيل وبعض دول الخليج تبدو حاجة ورقماً صعباً. تظهر موسكو كأنها تسعى إلى استمالتها. بين أنقرة وطهران ربط نزاع تاريخي عمره مئات السنين رغم تضارب المصالح في أحيان كثيرة. هل تخرج هي الأخرى من سوريا خالية الوفاض؟

الأكيد أن أردوغان خرج مهزوماً من سوريا. لكن بسبب هذه الهزيمة أجرى الداخل التركي مراجعة وأخذ العبرة. الدولة التركية العريقة أقوى من حزب العدالة والتنمية رغم أهمية اللعبة الديمقراطية في صناديق الاقتراع. تركيا بالنهاية دولة تاريخية وازنة سيختلف التعامل معها عن سائر الدول التي ساهمت في الحرب على سوريا مثل الأردن والسعودية وقطر.

موقعها الجيوستراتيجي هام جداً. هي حارس مرمى الناتو الجنوبي، وتشكل الحد الفاصل بين المنطقة العربية وإيران وبين أوروبا.

ستظل تركيا جزءاً من الناتو لكن لن يمنحها الأخير جائزة الانتماء للاتحاد الاروبي لأنها دولة مسلمة. الصراع القائم بين العالم الغربي من جهة، والعالم الشرقي بقيادة روسيا سياسياً والصين اقتصادياً، سيعطيها دوراً كبيراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

طريق الحرير الذي تبني عليه الصين طموحات كبيرة، إضافة إلى عوامل أخرى، سمحت لأردوغان بأن يلعب دور بيضة القبان في موضوع بناء العملية السياسية المستقبلية في سوريا كدور إقليمي خارجي يوازي الدور الإيراني، وذلك بالاعتماد على تفاهم تركي روسي يشمل ميادين عديدة من جملتها الميادين الاقتصادية.

قضايا كثيرة تم التوافق عليها بين أنقرة وموسكو. من أهمها مشروع “نورث ستريم” الذي بوشر العمل عليه في قاع البحر الأسود، وتزويد تركيا بمنظومة اس 400. الاتفاقات التي يمكن أن تحصل عليها لاحقاً ستعزز موقعها عند الغرب وعند الشرق.

بالتالي ستخرج تركيا دولة جديدة وازنة ليس في الإقليم فحسب وإنما في المجتمع الدولي. بمعزل عن سياسات حزب العدالة والتنمية بشخص أردوغان، فإن الوزن التركي يأخذ مكانه بسبب إعادة بناء جغرافية العالم وإعادة كتابة التاريخ الذي يجري في هذه الحقبة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here